حسن حسني عبد الوهاب

63

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

القيروان ، لأن الفكرة التي تجمّعت لهذا البناء فأخرج منها قبّته كانت فكرة أصيلة لم تنقل عن مرجع سوري أو روماني أو فارسي أو مصري ، إذ لم يسبق لبناء من البناة أن أدخل على قبّته تلك العناصر التي تتكوّن منها قبّة جامع القيروان أو أقامها على مثل الأسلوب الذي تقوم هذه عليه . " . . . وقد عثرت في القيروان أخيرا على آثار لموضع الكتابة التي كانت تمتدّ على واجهة بيت الصلاة المطلّة على البهو - قبل زيادة بلاطاته وإقامة قبّة البهو - ولا شكّ أن هذه الكتابة كانت تحمل اسم منشئها وتاريخ تجديد المسجد ، وقد ظلّت هذه العادة قائمة في الآثار التونسية ، وانبعثت بعد ذلك في الآثار الإسلامية في جميع البلاد ، وأصبحت خير دلالة على اهتمام المسلمين بفنون العمارة ، حتى ليفخر الرجل العظيم أو الأمير منهم بما يشيد ، ويحرص على تسجيله . " وأخيرا يبقى عليّ أن أقول كلمة في منبر القيروان ، وهو أقدم المنابر المعروفة في الإسلام ، وأبعدها شهرة وأكثرها إبداعا . . . يتكوّن منبر القيروان من مائتين واثنتين وخمسين لوحة خشبية تنحصر كل منها في إطار زخرفي . . وقد نقشت كل من هذه اللوحات نحتة فنية بزخارف منحوتة ، مخرّمة ، مفرّغة بدقّة فائقة ورقة نادرة ورسم رشيق ، وتجمّعت في هذه اللوحات أنواع مختلفة من الزخارف : نباتية وهندسية متفرّعة تارة ومتلاصقة تارة أخرى ، متعانقة أحيانا أو متشابكة ، ممتدة في البعض ملتفّة في البعض الآخر . وفي هذه اللوحات تتبيّن طبيعة الفن الإسلامي وتتجلّى فكرة رجاله فيسمو بهم الخيال إلى أبعد الآفاق ، تمتدّ ابتكاراتهم حتى لا تقف عند حدّ ، وتتنوّع أمامهم الصور فلا تنطبع على شكل واحد ، وتتجزأ في أيديهم الوحدة ، أو على العكس تتزايد وتتضاعف ، ويقف النظر أمام إنشاءاتهم حائرا لا يدري أين بدأت ولا أين تنتهي ، يلقى جديدا كلما جال بصره عليها فلا يملّ ولا يضجر ! " . ولا يفوتنا أن نلمح هنا إلى أنه يوجد في إحدى حجرات هذا الجامع مكتبة أنشئت في عهد الأغالبة كانت عامرة بالمؤلفات القيّمة دامت العناية بها إلى القرن